السيد عباس علي الموسوي

319

شرح نهج البلاغة

لغيرك ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك ) الإسلام أشد وأقوى طبيب نفساني يعالج الأمراض المستعصية والمزمنة في النفس الإنسانية . . . إنه يمارس مع الفرد أسلوبا رائعا إذا أخذ به كما هو وعلى حقيقته . . . والإعجاب مرض خطير يتحرك في داخل النفس فيفسدها ويخرجها عن طبيعتها . . . إن هذه النفس إذا أعجبت بعملها زهت كالطاووس ، وأخذ هذا الزهو والتيه يزداد ويزداد حتى يأتي إلى مسخ كل الأعمال الصالحة عند غيره ولا يعود يرى أمامه إلا عمله . بل إذا ارتفعت درجات هذا الإعجاب قد يصل به الأمر إلى أن يمنّ على ربه ويدلّ بعمله ، ويرى نفسه فوق التقصير وأكبر من أن يسأل عن عبادة ربه وطاعته . وهذا الموقف منه يحجب القلب عن الرب ويمنع رؤية كرمه ونعمه وآلائه وفضله . . . وفي ذلك إفساد للقلب والنفس أيّما إفساد وإضلال . . . وقد رأى الإسلام أن العبد مع التقصير إذا شعر بتقصيره وحاول الارتفاع عنه أحسن حالا وأقرب إلى اللّه من الإنسان المعجب بنفسه المدّل على ربه . وقد وردت الأحاديث في ذلك وكفى بذلك أن يكون ضد الصواب وخلافه . . . 1 - عن علي بن سويد عن أبي الحسن عليه السلام قال : سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال : العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا . ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمنّ على اللّه عز وجل وللهّ عليه فيه المنّ . 2 - عن أبي عبد الله ( ع ) قال : أتى عالم عابدا فقال له : كيف صلاتك فقال : مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد اللّه منذ كذا وكذا . قال : فكيف بكاؤك قال : أبكي حتى تجري دموعي فقال له العالم : فإن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل ، إن المدل لا يصعد من عمله شيء . 3 - عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد الله ( ع ) : الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به فقال : هو في حاله الأولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه . وهكذا تأتي الأحاديث لتكشف عن أخطار العجب ومبغوضيته للهّ . . . ثم إن الإمام يكمل وصيته إلى ولده بالسعي في كدحه . وقد فسر الكدح تارة بالمال وأن ينفقه في سبيل اللّه ، وأخرى بالمعنى الأعم وهو أن يسعى في كسب الطاعات . وعلى كل حال قد يكون المعنى الأول أقرب لوجود القرينة المتصلة في الكلام وهي قوله ولا تكن خازنا لغيرك ، فإن الخازن لا يستفيد إلا التعب والنصب ، وأما الذين ينالون اللذة منه والفائدة فأولئك الذين يأخذونه دون تعب ولا كدح ، بل يصل إليهم بدون مشقة ،